شوربة حجارة لمن لا يعرف القصة: أنه بينما كان عمر بن الخطاب يتفقّد رعيته ، وجد امرأة وحولها أطفالها يتصايحون من الجوع ، وعلى النار قِدْرٌ بها ماءٌ وحجارة ، فسألها عن أحوالها ، فقالت لها أنها توهم أطفالها بأنها تطبخ ليناموا على جوعهم ، فأمر باحضار ما يلزم لها لإطعام أطفالها.
بالرغم من كل شيء، بقي وطني في مخيلتي كما هو، جميل، ولكنه ملوّث، وملطخ بأيدٍ قررت في ليلةٍ ظلماء تغيير ملامحه الجميلة إلى ملامح أكثر غرابة، هل سألتَ نفسك: أين وطني؟ وأين تحديداً أضعتُ البوصلة؟ ومتى أصبحتِ الهجرةُ هاجسي؟ أو حتى أين تلك المشاعر التي كانت تفيض لحد البكاء مع كل انجازٍ للوطن مهما كان صغير؛ حينما فاز منتخبنا على العراق 3\2 في مباراة صاروخية توقفت فيها الأنفس ألف مرة؛ مع رفعات عصام التل، وحماية باسم تيّم وميلاد عباسي، ومناورات التوأم عبدالمنعم وغيرهم. أو حينما بكى مروان معتوق عندما خسر منتخبنا لكرة السلة للرجال أمام سورية نتيجة غش الحكم وأبكى ملايين الأردنيين معه وهم يراقبون قهر النشامى في مباراة أضاع الغش جهد النشامى فيها؟ أو تفاعُلُنا مع ذلك الصوت الجهوري الذي كان يرافقنا في كل صباح: صوت سليمان عويس في تصبيحاته لكل أركان ومكونات الشعب الأردني: الطالب والفلاح ، الجندي والعامل ... وصوت مازن القبج مفتتحاً إذاعتنا الأردنية !؟ من المسؤول عن سلب مشاعرنا أو قهر آهاتنا ومن المسؤول عن حالة الضياع الذي نعيشه؟
أترككم مع أغنية بداية مسلسل قديم اسمه الوسية: مين اللي قال الدنيا دي وسية ...
بانتظار عودة الأردن الأجمل ..
أمّا القصة اليوم، فهي العكس تماماً، إذ أن المرأة قدّمت آخر قِدْر تملكه تحت شعار: لا تسأل ماذا قدّم لي الوطن بل ماذا قدّمتُ أنا له !
عندما كنتُ صغيرة ، كغيري من الأطفال ، كنتُ أشعر أن أمامي الكثير لأقدّمه للوطن: في رسوماتي كنتُ أجسّد هذا الحب، في مواضيعي الإنشائية، في حديثي وتطلعاتي. إلى الدرجة التي كنتُ أصدّق فيها شعار "أردن أخضر عام 2000" ؛ كنتُ أنتظر عام ألفين بفارغ الصبر، لكي أرى الخضار على امتداد الدولة الأردنية، وأتى عام ألفين وما بعده ووجدنا الأردن من تصحّر لتصحّر أكثر، ومن جفاف لجفاف، وجرّافات لم تتوقف عن جرف تربته الحمراء وما تبقّى من أشجاره الصامدة كصمود هذا الشعب الطيّب ، وإحلال المشاريع العقارية تحت غطاء: استثمار، وأيُّ استثمار؟!
![]() |
| مجسّم في أمانة عمّان : شوف عمّان ، يظهر فيه أننا باتجاه أرض (بني) عام 2050 :) والمشاريع العقارية ((الإستثمارية)) التي شغّلت أيدي أجنبية ، وعمالة أجنبية ! المصدر: كامرتي |
لم يتوقف هذا الحب يوماً عند حد، بل كنتُ أعتقد أن الأردن هي الدولة الأولى عالمياً والحاكمة الفعلية له، كنتُ أظن أننا كأردنيين أسياد العالم؛ نأمر فنُطاع ، نطلب فيُلبّى لنا، لم أكن أعرف أن مسؤولينا على استعداد لفعل أي شيء وكل شيء "لطلب الاستجداء" لدولة غنية كالأردن تمتلك موارد ومصادر طبيعية ولكنها مُباعة. حتى وقتٍ قريب كنتُ أعتقد أن الجميع يعيش في رفاهية وسعادة، لا فقير ولا بائس ولا مجرمين !
![]() | |
|
لم يكن يخطر في بالي يوماً أن هناك من يتقدّم علينا ويسبقنا بأشواط، كما لم أكن أظن أن هناك من يقود أسرع من أبي الذي لم تتجاوز سرعته في القيادة يوماً الستين كم \ س !
![]() |
| واحنا صغار كنّا نلعب لعبة سباق سيارات بس غريبة شوي: السيارة اللي بتسبق سيارة أبونا بيطلع برة السباق عشان هيك كان ابوي في المركز الأول :) المصد ر http://www.k5a5.net/vb/t10061/ |
كبرتُ ، ولم يتوقف يوماً إيماني بهذا الوطن ، مع كل حجر يُهدم مع سبق الإصرار كنتُ أعاني لإبقاء هذه الصورة الوردية عن وطني في مخيلتي الطفولية. فلم أتوقع يوماً أن أرى منظر ذلك العجوز الذي يأتي على حماره بين فينةٍ وأخرى باحثاً عن ما تيّسر له من أشياء في حاويات (الوطن)، إذ كانت صدمتي بوطني في بدايات عملي حين عرفتُ أن كرامة الأردني تُمتهن وهو يمد يده ليستغيث رغيف خبر: لم أتوقع تلك الحقيقة أن هناك أردنيون يعانون الفقر، والمسؤول في وطني ما زال يركب سيارته الفارهة المكندشة ! ببساطة كنتُ أرى وطني كما ترى الطفلة أبيها: أروع إنسان بالوجود. فالجميع يعيش بسعادة متناهية.
![]() |
| سيارة حكومية آخر موديل .. والحكومة بتشكي الطفر وتطلب من المواطنين حل مشكلة المسؤولين أوجدوها المصدر http://www.baladnanews.com/ |
أتت الجرافات ، لتغيّر ملامح عمّان بعشوائية مدفوعة مع سبق الإصرار لتغيير ملامحنا الطفولية ، وأتت البلدوزرات لتهدم ذكرياتنا الحميميمة على امتداد العاصمة عمّان.. ومع ذلك بقيت صورة الوطن الوردية في مخيلتي ، تدغدغ مشاعري في مناظر الغروب الجبلية، وشلالات المياه التي تغسل بطهارة ما بدواخلنا..
![]() |
| حمامات ماعين - كامرتي |
بالرغم من كل شيء، بقي وطني في مخيلتي كما هو، جميل، ولكنه ملوّث، وملطخ بأيدٍ قررت في ليلةٍ ظلماء تغيير ملامحه الجميلة إلى ملامح أكثر غرابة، هل سألتَ نفسك: أين وطني؟ وأين تحديداً أضعتُ البوصلة؟ ومتى أصبحتِ الهجرةُ هاجسي؟ أو حتى أين تلك المشاعر التي كانت تفيض لحد البكاء مع كل انجازٍ للوطن مهما كان صغير؛ حينما فاز منتخبنا على العراق 3\2 في مباراة صاروخية توقفت فيها الأنفس ألف مرة؛ مع رفعات عصام التل، وحماية باسم تيّم وميلاد عباسي، ومناورات التوأم عبدالمنعم وغيرهم. أو حينما بكى مروان معتوق عندما خسر منتخبنا لكرة السلة للرجال أمام سورية نتيجة غش الحكم وأبكى ملايين الأردنيين معه وهم يراقبون قهر النشامى في مباراة أضاع الغش جهد النشامى فيها؟ أو تفاعُلُنا مع ذلك الصوت الجهوري الذي كان يرافقنا في كل صباح: صوت سليمان عويس في تصبيحاته لكل أركان ومكونات الشعب الأردني: الطالب والفلاح ، الجندي والعامل ... وصوت مازن القبج مفتتحاً إذاعتنا الأردنية !؟ من المسؤول عن سلب مشاعرنا أو قهر آهاتنا ومن المسؤول عن حالة الضياع الذي نعيشه؟
يبدو أن الفساد لم ينخر فقط في اقتصادنا بل أيضاً في عواطفنا ومشاعرنا، فأين الطبيب القادر أن يُعيد المريض إلى الحياة؟ والنبض إلى الخفقان !؟
آه يا أردن ، من يبكيك؟ لم يعد في العين دمع ، ولا في الروح همّة ، ولا في النفس رغبة للإستمرار.. فلتستمر الأمهات إذن بطبخ شوربة حجارة لأولادهن علّهم ينامون على جوع ويستيقظون على أيدي خفية في وطنٍ قدّم لهم حجارة وقدّموا له كل شيء .. لكَ الله يا وطني فعُمَر لن يأتي هذه المرّة !
أترككم مع أغنية بداية مسلسل قديم اسمه الوسية: مين اللي قال الدنيا دي وسية ...
بانتظار عودة الأردن الأجمل ..

.png)




