الخميس، 20 يونيو 2013

قصة 2 ...


كسرت سناء لحظات الصمت - تلك اللحظات النادرة والرائعة التي أقضيها في محراب الصداقة: فأعمق صداقة هي تلك التي لا تشعر أنك بحاجة لمليء فراغ الجلسة بالأحاديث، يكفي أن يُلاعب شعرك الهواء الطلق وتحتسي كوباً من الشاي وتثق أن صديقك مازال بجانبك تراوده نفس المشاعر بصمت!  

- "كنتُ دائماً أردد أنني يجب أن أحقق إنجاز ما قبل أن أطبّق الثلاثين من عمري" قالتها سناء وهي تحاول أن تنفخ أشكالاً مختلفةً من الدخان وتابعتْ "وها أنا اليوم في الأربعين ولم أحقق أي شيء سوى ورقة طلاق، راتب تقاعد، وحرق سجائر لا ينتهي! بتعرفي أتمنى أن أعود طالبة مدرسة أرتدي المريول وأربط شعري ظفيرة ، قول للزمان إرجع يا زمان!"

نظرتُ إليها وكدتُ أتكلم لولا أن كلماتها أثارت فيَّ ذكرياتٍ جميلةٍ لطالما رسمتْ إبتسامةً على وجهي كلما تذكرتها..

في المدرسة ، قبل أكثر من 20 عاماً ..

- "أنا آسفة!!" قلتها لتلك الفتاة التي اصطدمتُ بها في الممر بينما كنتُ أجري لألتحق بحصة الرياضيات، فقد كان من المفترض أن أكون في المدرسة في تمام الساعة السابعة، إنما كما يقولون النوم سلطان !

- "آسفة!!!؟؟ وماذا يفيد الاعتذار؟؟" قالتها بعصبية "اليوم تصطدمون بنا، غداً تسكبون علينا الأشياء، وماذا تفعلون تعتذرون!! يا لكم من شعب جاهل لا يفقه شيء من آداب الإتيكيت!!" وتابعتْ مسيرها وأنا ما زلتُ أحاول أن أتعافى من صدمتي من كلماتها، نظرتُ إليها وهي تمشي كمن يمشي على خطٍ مستقيم: كانت طويلة القامة، ذو جسمٍ رشيق ومتناسق، تحمل شنطة مصنوعة من الجلد الفاخر، واختفت من المشهد بينما كنتُ أحاولُ أن ألملم كلماتي "الإتيكيت... الإتيكيت...الإتيكيت... هو أن أعتذر آنستي عندما أخطئ!" ولكن ما جدوى كلماتي وتلك الفتاة أصبحت داخل الصف!!

دخلتُ الصفَ في ذلك اليوم متأخرةً، وبالمناسبة كان هذا أول يوم دوام بعد العطلة الصيفية، وإذ بالمديرةِ تقول لي أننا قررنا نقلك إلى الشعبة الأخرى، ذهبنا وأجلستني في المكان الفارغ وبجانب من؟ بجانب تلك الفتاة التي همستْ:" ماذا تفعلين هنا آنسة آسفة" استفزتني كلماتها ولكنني تمالكتُ نفسي وقررتُ أن أتجاهلها وتظاهرتُ أنني مشغولة بالبحث عن قلمي تحت الدرج، ولكنها تابعتْ "جهلاء، أغبياء..." وقفتُ وفي لحظةٍ لم أفكّر فيها ضربتها، وقف الصف ليهتف ويصرخ، ومن حيث لا أدري دبتِ الحماسةُ في قلبي إذ أن جميع الفتيات هتفن لي وليس لها، اعتقدتُ للوهلة الأولى أنني محبوبة، ولكنني أدركتُ لاحقاً أن السبب هو غيرتهن منها؛ فهي كانت من أجملِ فتياتِ المدرسة، وأكثرهن أناقة، فالكل كان ينتظرُ ماذا سترتدي في آخر يوم مدرسة أو في المناسبات، والأكيد أن جميع الشباب كانوا يسعون لنظرة منها؛ فهي إن ابتسمت ولو ابتسامةً باهتةً لشابٍ فإنه يتكلم بهذا الموضوع لمدة شهر!

 ولأنها كانت تعرف أنها جميلة فلم تكن تكترث لأحد، فهي تعرف أنها حين تطلب فسيُلبّى لها؛ ألف شخص على استعدادٍ لتحقيق طلباتها! كانت مغرورة، تمشي كمن يمتلك الأرض وما عليها، كنتُ أقول لنفسي معها حق أن تتصرف بغرور، فهي جميلة، مجتهدة، وذكية، والجميع يسعى لإرضائها، والأهم أنها كانت مسئولة الإذاعة المدرسة المدرسية التي كنتُ بدوري أسعى جاهدة لأدخلها، فقدرتي الإنشائية لم تكن كافية لحجز مقعد لي في الإذاعة، إذ يبدو أن الموهبة وحدها لا تكفي، فهناك أموراً أخرى تؤخذ بالحسبان، فأنا لستُ من الدائرة المقرّبة للآنسة snoop - هكذا كنتُ ألقّبها - ففي كثيرٍ من الأحيان يُمارس الحظ لعبته التآمرية مع الحياةِ ليوقعنا ضحايا للأوهام! فأنا عشتُ على وهمٍّ أن أعمالي تتكلّم عنّي -ألسنا جميعاً نقع في هذا الوهم أغلب الأحيان؟ - كم كنتُ مخطئة!

يُتبع 

الاثنين، 17 يونيو 2013

قصة 1 ...

قصة ؟
بينما كنتُ ابحثُ في ملفاتي القديمة ، استوقفتني قصة كنتُ قد بدأتُ بكتابتها في عام 2006 ! قصة بدون نهاية ولم تكتمل بعد ، سأشاركها معكم ، علّ أحدكم يساعدني ويُلهمني لإنهاء القصة.
.......................

في منتصف العمر نكتشف حقائق مهمة عن أنفسنا...

قد تكون حقيقتي عن نفسي ماثلة أمام عيني لسنوات طويلة وأنا أنكرها، لا أدري إن كان الخوف، أو عدم الجرأة هما الأسباب، ولكن لا يهم لأن الأسباب كثيرة والحقيقة واحدة!
فإليكم الحقيقة، سأجمّلها، لا أدري، سأخفي نصفها، لا أدري، إنما سأبدأ من حيث تاهت كلماتي!

من أين أبدأ؟

في خضم الحرب، كنتُ من هؤلاء الناس الذين يتسابقونَ لمدِّ يدِ العونِ للجنودِ المتألمين والمتعبين من ثِقَلِ الحربِ، كنتُ أعتبرُ أن الحياةَ لا تستحقُ كل هذا العناء الذي توليه أختي الصغرى، فهي بالرغمِ من مآسي الحربِ لم تتوقفْ يوماً من الوقوفِ أمامَ المرآةِ: "كم أنا جميلة !" كانت تقولها وهي تلتفُ حولَّ نفسها بخفةٍ ورشاقة، مبديةً إعجابها بمفاتنها الربانية، تمسكُ وروداً وتشمّها تارةً وتحتضنُ مخدتها تارةً أخرى وهي تتساءلُ بهيامٍ: "متى ستأتي لتأخذني على حصانكَ الأبيض؟"

كنتُ أسترقُ النظرَ لمتابعتها، فهي مازالتْ تتمسك بالحلم الذي راودها منذ نعومة أظافرها، "أن أكون سيدة بيتي الصغير"...كنتُ أرى شغفاً في كلماتها وهي تصف بيتها بأدق تفاصيله؛ "المطبخ، أهم مكونات البيت للسيدة العصرية" كانت تقولوها بكل حواسها " فهو المملكة المصغرة التي تقضي فيه السيدة الراقية معظم وقتها"...كنتُ أناقشها في هذا الموضوع بالذات ولكنني في داخلي أحسدها ليس على شيء إنما على حلمها الذي كان يكبرُ معها يوماً بعد يوم...

عند صديقتي ..

- "أين وضعتِ علبة السجائر؟"
- "آخ عاداتك السيئة متى ستنهيها؟"
- "السيجارة سيئة؟؟ ها! إنها أفضل صديق! قولي لي من هو ذلك الصديق المستعد أن يحرق نفسه من أجلك......" بدأتُ بالفعل بالتفكير إنما هي تابعت كلامها: "آه لا تفكري كثيراً....لأنه لا أحد إلا السيجارة...هيا أين أخفيتِ علبة السجائر؟"
- "في خزانة المؤن..."

أعتقدُ أنها محقة، أو هذا ما يفرضه علينا الواقع، حتى الأخ ليس على استعداد أن يحرق نفسه من أجل أخيه، بل على العكس عندما تحين الفرصة فمن الممكن أن يأكل الأخ أخيه.....

خرجت سناء، هذا اسم صديقتي، وفي يدها سيجارة واليد الأخرى صينية وضعت عليها فنجاني قهوة...

- "أمازلتِ تتأملين الغروب؟"
- "الشمس في مغيبها تأسرُ قلبي، لا أدري لماذا لم أتعود على هذا المنظر الرائع؟"
- "من الممكن أننا نتعوّد على الأشياء التي نفهمها..."
- "ممكن، وممكن أيضاً أننا نتعود على الأشياء التي لا تثير فينا الأسئلة أو الحيرة، أعتقد أن للغروب تأثير غريب على نفسي فهو مازال يضع أمامي أسئلة كثيرة...أسئلة لطالما حيّرتني............."

وعاد الصمت ليخيم على جلستنا ولا يقطعه إلا رنين الهاتف ، تطلب مني سناء الرد ... 

- "ألو ..................."
إنه ذلك الصوت الدافئ الذي أسرني حتى قبل أن أتعرف على ملامح وجهه التي لوّحتها شمس المعارك القاسية، فذلك الصوت تماماً كغروب الشمس لم أتعوّد عليه بعد، مازال يثير في داخلي إحساس غريب، مازلتُ أرتجف كلما أردت أن أكلمه أو هو يكلّمني...

- "أهلاً.............. لا أبداً فأنا جالسة مع صديقتي نتأمل غروب الشمس..."
وتابع حديثه معي وأنا لا أقول إلا نعم ولا...لا أدري ماذا يحدث معي كلما سمعت صوته، من الممكن أنني أرتجف لسماعه على الهاتف فهو يوقظ في داخلي أحاسيس طالما حاولت إخفائها وراء مظهر فولاذي يوحي بالقوة.
- "طبعاً .... في أي وقت...البيت بيتكم..."

عدتُ إلى الفرندة حيث الشمسُ في لحظاتها الأخيرة تودع الأرض، كانت تقول لنا أمي ونحن صغار أن الشمس تذهب لتنام وراء جبل كبير، كم كنّا بسطاء إذ نصدّق أن الشمس بالفعل تنام.... أختي بدورها قبل أن تنام تبدأ بوضع الماكياج استعداداً لليوم الكبير... كانت تعتقد أن لا شيء أكبر وأهم من ذلك اليوم...

وعاد الصمتُ يخيّم على المكان، سناء تتأمل دخانها وأنا أتأملُ الشمس الذاهبة إلى أرضٍ أخرى....


يُتبع ...