كسرت سناء لحظات الصمت - تلك اللحظات النادرة
والرائعة التي أقضيها في محراب الصداقة: فأعمق صداقة هي تلك التي لا تشعر أنك
بحاجة لمليء فراغ الجلسة بالأحاديث، يكفي أن يُلاعب شعرك الهواء الطلق وتحتسي كوباً
من الشاي وتثق أن صديقك مازال بجانبك تراوده نفس المشاعر بصمت!
- "كنتُ دائماً أردد أنني
يجب أن أحقق إنجاز ما قبل أن أطبّق الثلاثين من عمري" قالتها سناء وهي
تحاول أن تنفخ أشكالاً مختلفةً من الدخان وتابعتْ "وها أنا اليوم في
الأربعين ولم أحقق أي شيء سوى ورقة طلاق، راتب تقاعد، وحرق سجائر لا ينتهي! بتعرفي
أتمنى أن أعود طالبة مدرسة أرتدي المريول وأربط شعري ظفيرة ، قول للزمان إرجع يا
زمان!"
نظرتُ إليها وكدتُ أتكلم لولا أن كلماتها
أثارت فيَّ ذكرياتٍ جميلةٍ لطالما رسمتْ إبتسامةً على وجهي كلما تذكرتها..
في المدرسة ، قبل أكثر من 20 عاماً ..
- "أنا آسفة!!" قلتها لتلك الفتاة التي اصطدمتُ بها في الممر بينما كنتُ أجري
لألتحق بحصة الرياضيات، فقد كان من المفترض أن أكون في المدرسة في تمام الساعة
السابعة، إنما كما يقولون النوم سلطان !
- "آسفة!!!؟؟ وماذا يفيد
الاعتذار؟؟"
قالتها بعصبية "اليوم تصطدمون بنا، غداً تسكبون علينا
الأشياء، وماذا تفعلون تعتذرون!! يا لكم من شعب جاهل لا يفقه شيء من آداب
الإتيكيت!!"
وتابعتْ مسيرها وأنا ما زلتُ أحاول أن أتعافى من صدمتي من كلماتها، نظرتُ إليها
وهي تمشي كمن يمشي على خطٍ مستقيم: كانت طويلة القامة، ذو جسمٍ رشيق ومتناسق، تحمل
شنطة مصنوعة من الجلد الفاخر، واختفت من المشهد بينما كنتُ أحاولُ أن ألملم كلماتي
"الإتيكيت...
الإتيكيت...الإتيكيت... هو أن أعتذر آنستي عندما أخطئ!" ولكن ما جدوى
كلماتي وتلك الفتاة أصبحت داخل الصف!!
دخلتُ الصفَ في ذلك اليوم متأخرةً،
وبالمناسبة كان هذا أول يوم دوام بعد العطلة الصيفية، وإذ بالمديرةِ تقول لي أننا
قررنا نقلك إلى الشعبة الأخرى، ذهبنا وأجلستني في المكان الفارغ وبجانب من؟ بجانب
تلك الفتاة التي همستْ:" ماذا تفعلين هنا آنسة آسفة" استفزتني كلماتها
ولكنني تمالكتُ نفسي وقررتُ أن أتجاهلها وتظاهرتُ أنني مشغولة بالبحث عن قلمي تحت
الدرج، ولكنها تابعتْ "جهلاء، أغبياء..." وقفتُ وفي لحظةٍ
لم أفكّر فيها ضربتها، وقف الصف ليهتف ويصرخ، ومن حيث لا أدري دبتِ الحماسةُ في
قلبي إذ أن جميع الفتيات هتفن لي وليس لها، اعتقدتُ للوهلة الأولى أنني محبوبة،
ولكنني أدركتُ لاحقاً أن السبب هو غيرتهن منها؛ فهي كانت من أجملِ فتياتِ المدرسة،
وأكثرهن أناقة، فالكل كان ينتظرُ ماذا سترتدي في آخر يوم مدرسة أو في المناسبات،
والأكيد أن جميع الشباب كانوا يسعون لنظرة منها؛ فهي إن ابتسمت ولو ابتسامةً باهتةً لشابٍ فإنه يتكلم بهذا الموضوع لمدة شهر!
ولأنها كانت تعرف أنها جميلة فلم تكن تكترث لأحد،
فهي تعرف أنها حين تطلب فسيُلبّى لها؛ ألف شخص على استعدادٍ لتحقيق طلباتها! كانت
مغرورة، تمشي كمن يمتلك الأرض وما عليها، كنتُ أقول لنفسي معها حق أن تتصرف بغرور،
فهي جميلة، مجتهدة، وذكية، والجميع يسعى لإرضائها، والأهم أنها كانت مسئولة
الإذاعة المدرسة المدرسية التي كنتُ بدوري أسعى جاهدة لأدخلها، فقدرتي الإنشائية
لم تكن كافية لحجز مقعد لي في الإذاعة، إذ يبدو أن الموهبة وحدها لا تكفي، فهناك
أموراً أخرى تؤخذ بالحسبان، فأنا لستُ من الدائرة المقرّبة للآنسة snoop - هكذا كنتُ ألقّبها - ففي كثيرٍ من الأحيان يُمارس
الحظ لعبته التآمرية مع الحياةِ ليوقعنا ضحايا للأوهام! فأنا عشتُ على وهمٍّ أن
أعمالي تتكلّم عنّي -ألسنا جميعاً نقع في هذا الوهم أغلب الأحيان؟ - كم كنتُ
مخطئة!
يُتبع