السبت، 3 أغسطس 2013

قصة 3

في البيت 

كان صوت المدافع والقنابل مخيف جداً، كانت أختي الصغرى تركض لتختبئ في أحضان أمي أما أنا فكنت أقاوم شعور الخوف، حتى لا يُعيّرني أحد بهذا الضعف، أبي كان يجلس أمام التلفاز يشتم العدو ويهتف للوطن، وأمي تصلي الليل والنهار لأخي الذي التحق بالجيش.
................

كنا ثلاثة، أخي وأختي وأنا الوسطى، كانت لدي أحلام كبيرة، إنما كثيراً ما تصطدم بالواقع، فالفتاة في ذلك الوقت كان مرسوم لها مستقبلها منذ البداية، البيت والزواج، والقليلات اللواتي كن يقاومن هذا الفكر ويذهبن لتحقيق ذاتهن ينعتن بألقاب كثيرة، الغريب أن أبي كان من مؤيدي حركة تحرر المرأة، كأمي تماماً التي إلتحقت بالعمل بالرغم من تعيير الكثيرين لها، فقد كانت مثال رائع للمرأة التي تقف بوجه التيار ولا تخشى أحد، كانت تقول أن لا كبير سوى الله، لذلك لم تكن تخش أحد، على عكس صديقة لها كانت تصر أن البيت هو المكان الأنسب للمرأة، وأنه يحق للرجل ضرب زوجته، والأخ بضرب أخته، ولم تكن تلك الصديقة من أنصار أي حركة تحرر للمرأة لأنها كانت تضع كل هذه الحركات تحت مسمى واحد وهو "فلتان أخلاقي".

أبي على أية حال رجلٌ حالم، يعيش على أمل أن تتوحد الأمة العربية يوماً ما وتتحرر الأوطان ومعها يجد الإنسان العربي معناً آخر للحياة، يمشي مرفوع القامة فخور. كان يصدّق كل ما يقال بالإعلام ولم يكن حتى يحاول أن يبحث عن الحقيقة لأن في أعماقه خوف من تلك الحقيقة التي لو صدّقها لتكسر قلبه الذي كان يقتات على الحلم المستحيل "حلم الوحدة العربية"... فهو كالكثيرين آمن بالقائد السوبرمان الذي يواجه أعداء الأمة بحزم، وصدّق كل ما كانت تتناقله وسائل الإعلام العربية؛ قوة غير عادية لقواتنا الباسلة التي تواجه العدو وتسقط طائراته وتأسر قواته. كان يعيش في كذبة مثله مثل الآخرين الذين لم يستفيقوا منها إلا على صدمة بكل معنى الكلمة، وخيبة أمل عميقة ولّدت جرح لكرامة المواطن العربي لم تعالجه الأيام ولا السنوات بل وتوارثنا نحن تلك الصدمة وخيبة الأمل لدرجة أننا أصبحنا نعيش بحالة أشبه بالمرضية لا نؤمن بأي شيء، ولا نعرف أن نستمتع بحياتنا خوفاً من تأنيب الضمير، فكيف لنا أن نضحك وحال الأمة هكذا؟.... على أية حال أبي كان يريدني أن أصبح طبيبة ليفاخر بي الدنيا، كان يحبني جداً ويدللني جداً، كنت في نهاية المطاف الابنة المدللة عنده؛ أقول فينفذ، أطلب فأنال، لم يمنع عني أي شيء سوى ورقة خبأها في خزانته الصغيرة وأقفل عليها بالمفتاح!

أما أختي فهي كالكثيرات اللواتي لوثت الأفلام الرومانسية عقولهن، وجعلت من الزواج الطموح الأوحد لكل فتاة، فهي قد تشربت من أفكار النساء اللواتي جعلن من المرأة أسيرة البيت تنتظر؛ تنتظر مجيء العريس، وتنتظر عودة الزوج من العمل، وتنتظر عودة الابن من المدرسة، وتنتظر نضوج الطبخة على الفرن! أختي كانت من مدرسة المنتظرين فهي منذ الرابعة عشرة بدأت بالانتظار على حساب دراستها، كثيراً ما كنتُ أتجادل معها بأهمية التعليم، كنتُ أقول لها "افرضي أن زوجك مات، فكيف ستعيشين أنتِ وأولادك من بعده؟" أما هي فقد كانت تعيش في عالمٍ من الأوهام رسمته لها تلك الأفلام التي عادة ما تنتهي بزواج البطل والبطلة والعيش السعيد والعمر المديد! أختي تشرّبت من الأفلام والأغاني الرومانسية فهي مثل أبي عاشت على خدعة الإعلام: أبي انخدع أن الأمة منتصرة لا محالة وأن طائراتنا تسقط طائرات العدو الواحدة تلو الأخرى، وتجوّع يا سمك البحر، وأختي انخدعت أن الحياة بعد الزواج سهلة وجميلة ومليئة بمغامرات رومانسية تبدأ مع غروب الشمس على الشاطيء ولا تنتهي إلّا بجلسةٍ مع ضوء القمر، لا عذاب ولا مسؤوليات ولا مشاكل!

أخي فهو مثل أبي يؤمن بالحرية لكل فرد، فليس من المعقول حرمان الإنسان من أي شيء كونه إمرأة أو لونه مختلف أو دينه مختلف، كان يعتقد أن لديه قضية يُكافح لأجلها، لذلك التحق بالجيش بالرغم من أنه الوحيد بين أختيْن. ومع ذلك كان كثير الجدال دائم التساؤل ، فلم يتوقف يوماً عن البحث عن الحقيقة، وعن رسالته في هذه الحياة، فلم يكن يؤمن بعبثية الخليقة أو الوجود، بل يؤمن أن وجودنا على هذه الأرض وفي هذا الزمن وهذه الظروف له هدف ورسالة تُكشف لنا رويداً رويداً.

يُتبع