الأحد، 2 مارس 2014

بين نقابة الصيادلة ونقابة المعلمين ...

تخيّلوا أن: كنترول باص يفتتح صيدلية، ومهندس يفتتح عيادة، وصيدلاني يفتتح مكتب هندسي للإستشارات، وشوفير يفتتح مدرسة، وعاملة نظافة تفتتح مركز للعناية بالبشرة (وغز إبر بوتكس) ! تخيلوا أن يحدث كل ذلك على مرأى ومسمع أصحاب الشأن في تنظيم  المهن وفي حالتنا هم: النقابات !


صورة لمجمع النقابات المهنية - الشميساني. مصدر الصورة: موقع سرايا الإخباري
حينما تخرجّت من كلية الصيدلة، قررتُ الاشتراك في نقابتنا، كنتُ متحمسة لأفتتح صيدلية خاصة بي، ولكن التعليمات آنذاك حالت دون ذلك، فهي تُلزم من يريد أن يفتتح صيدلية أن يكون قد مضى على اشتراكه في النقابة خمسة أعوام ! جميل، يعني الجماعة خايفيين على مصلحة المريض أو هكذا هُيء لي لحظتها. (فالتعليمات تتغيّر بما يتناسب ومصلحة – الحيتان – ربما قرار قبول فتح سلسلة صيدليات تحمل نفس الاسم آخرها – وإن كنتُ فاهمة خطأ ليُصحَح لي خطأي).

الطلبة: عماد المستقبل، من سيتحمّل مسؤولية هذه الأجيال، ويبدأ بإعادة التعليم لسكته الصحيحة: من حيثُ القيم والتحصيل العلمي؟
اليوم، ونحن نشهد أسوأ مرحلة من مراحل التعليم في تاريخ الأردن ، ونشهد أسوأ مخرجات تعليمية لم يسبق لها مثيل ، انعكست على المعلمين والمعلمات الجدد بضحالة معلوماتهم حتى في تخصصاتهم، ونتيجة لذلك غير قادرين على تعليم الصفوف العليا في بعض التخصصات مثل الفيزياء والرياضيات والإنجليزي والعربي، إضافة إلى أخطائهم الإملائية.
الكثير من الطلبة، على صعيد آخر، وهم (عماد المستقبل) أيضاً لا يُجيدون القراءة ولا الكتابة، لا يعرفون أساسيات اللغات من قواعد وغيرها، ولا يجيدون أساسيات الرياضيات من عمليات ضرب وقسمة تتجاوز المنزلتين أو تحوي أرقاماً عشرية وكسرية! ويُرفّعون تلقائياً من صف إلى صف للوصول للتوجيهي وحينها يبحثون عن أساليب إبداعية للغش والنجاح بأرقام فلكية خيالية!


هذا الخط لطالب في الصف الأول (يوسف العمريين) - الفصل الأول من هذا العام. قبل عدة سنوات قامت مديرة التعليم الخاص آنذاك بتوجيه استجواب لمديرة المدرسة لأن المدرسة تتبع سياسة تجعل الطالب ينسخ دروس اللغة العربية والإنجليزية بالإضافة للحروف والمقاطع. عوض شكرها لأن جميع الطلبة في هذا الصف يمتلكون القدرة على القراءة والكتابة قبل نهاية الفصل الدراسي الأول.


لنتوقف قليلاً عند دور النقابات في ترتيب أوراق المهنة وإعادة الإعتبار لهذه المهنة والمعلّم ..

قابلتُ قبل حوالي العامين إحدى المعلمات في أحد الدورات التدريبية وهي تُشجعني أن أشجع أصحاب المدرسة بإمتلاك أسطول باصات لما فيه من أرباح ممتازة، قالت لي بما معناه أن أصحاب المدرسة وهم بالأصل (شوفيرة) باصات مدرسة قاموا بافتتاح المدرسة. قبل فترة أيضاً سمعتُ أن أحد (شوفيرية) الباصات قام بافتتاح مدرسته الخاصة ! هل شعرتم أن هناك مشكلة ما؟ أم أن الأمر عادي؟
المطلوب إعادة تنظيم المهن، وسن قوانين تحمي هذه المهنة من أي عبث، فنحن اليوم نلمس النتائج من الإستهتار بالتعليم.
ليس من المعيب أن يعمل الشخص كشوفير، ولكن يبقى السؤال: إن كان أي شخص بإمكانه افتتاح أي مشروع سواء: تربوي أو ثقافي أو طبي أو رياضي ، فلماذا إذن التخصصات الجامعية؟ فنحن هنا نتحدّث عن التخصص الذي يجب أن يُراعى حين افتتاح أي مشروع تربوي وخصوصاً المدرسة.

ما هو دور نقابة المعلمين؟

عدا عن دور الجباية الذي تمارسه أغلب النقابات، وهذا ليس موضوعنا، وعدا عن الدور السياسي الذي تمارسه أغلب النقابات مبتعدةً عن الشأن المهني، وأيضاً هذا ليس موضوعنا، إنما أغلب النقابات إلى حدّ ما تقوم بتنظيم المهن التابعة لها. فماذا فعلت نقابة المعلمين من يوم تأسيسها إلى اليوم؟

اليوم نجد نقابة المعلمين وبعد معاناة لتشيكلها، وبعد اضرابات أضرت بالعملية التعليمية، لا تلتفت لدورها الأساسي وحجم المسؤولية الملقاة على عاتقها، إنما ببساطة حصرت دورها بمقارعة الحكومة، والتدخل في الشأن الحكومي، والإحتجاج على قرارات وقوانين حكومية وآخرها قانون الخدمة المدنية.

إعتصام المعلمين أمام رئاسة الوزراء للتنديد بقانون الخدمة المدني. مصدر الصورة: http://islahjo.com/vglgzw9q.ak9nta1r,wr4a.vj.na1b.html

كان الأجدر من هذه النقابة الإلتفات لتهالك العملية التعليمية التعلّمية، من خلال الضغط على وزارة التربية والتعليم لإصدار قرارات تمنع بموجبها فتح أي مدرسة إلّا لمن يمتلك خبرة في المجال التعليمي لمدة لا تقل عن 15 عاماً (ضمن الكادر التعليمي أو مدير مدرسة). 

كان الأجدر بنقابة المعلمين الضغط على وزارة التربية والتعليم لإعادة الإعتبار لهذه المهنة، من خلال سن قوانين تحمي العاملين بهذه المهنة من أي إعتداء من قبل أولياء الأمور وغيرهم، وإعطاء المعلّم (والمدير) صلاحيات أكبر لضبط الحصة الصفيّة بما يراه ملائم دون التعدّي على حق الطالب.


مسرحية صامتة جسّدها بعض من طلبة الجامعة الهاشمية لرفض العنف الجامعي. مصدر الصورة http://hu.edu.jo/.
أحد سباب العنف هو الخلل الحاصل في التعليم الأساسي والثانوي والذي يُهمل جانب العقوبات للطالب المخالف، ويُتيح المجال للأولياء الأمور بالإعتداء على المعلّم أمام الطالب دون محاسبة لهم. 
كان الأجدر بالنقابة الضغط على وزارة التربية والتعليم لوضع إمتحانات تقييمية للمراحل الثلاث الأولى، فمن غير المعقول الإبقاء على سياسة التنجيح التلقائي، وبعدها امتحان تقييمي للمرحلة الأساسية الدنيا (الصف السادس)، ومن ثم محاسبة المدرسة إن ثبت أن سوء النتائج بسبب تقصير من الكادر الإداري والتعليمي، وإيجاد خطة لرفع مستوى هؤلاء الطلبة من خلال إلزام المدارس الحكومية والخاصة بعقد دروس تقوية صيفية مجانية لهؤلاء الطلبة الذين لم يحققوا متطلبات النجاح، ومحاربة الدروس الخصوصية لما فيها ضرر كبير على مسيرة التعليم. وفي ذات الوقت، العمل على إعادة النظر في المناهج التي تحوي الكثير من الحشو والتكرار في ذات المرحلة الصفية، والتي لا تراعي الفروق الفردية للطلبة.


مؤسسة التدريب المهني قد تكون البوابة للكثير من الشباب لفتح آفاق جديدة، مصدر الصورة: http://vtc.gov.jo/

كان الأجدر بهذه النقابة أيضاً الضغط على وزارة التربية والتعليم لإقرار إمتحان للصف العاشر، بحيثُ من لا يحقق متطلبات النجاح يحوّل تلقائياً إلى التعليم المهني التطبيقي. وبذلك نحقق هدفان: 
الأول توفير أيدي عاملة مؤهلة وقادرة على المنافسة سواء في الأسواق المحلية أو الإقليمية.
الثاني التخفيف من المشاكل التي نواجهها في كل عام في التوجيهي، لأن من يصل لهذه المرحلة هو الطالب المستحق والمجتهد ولن يبحث عن أساليب للغش أو التشويش لتحقيق غاية النجاح دون استحقاق.

كان الأجدر بهذه النقابة بالضغط على الوزارة لإعادة تأهيل وتدريب المعلمين خلال فترة الصيف ليكون المعلّم مؤهل ومدرّب للموقف التعليمي دون مهابة.

وأخيراً، لا يهم اليوم البحث عن شماعة لنضع عليها مسؤولية تراجع وتردّي التعليم، بل الأهم العمل على إعادة هذه المهنة للسكة الصحيحة، وإعادة الإعتبار لهذا الحقل الذي كان يُعتبر الأردن فيه المثال والقدوة.

أترككم مع الأغنية التي ما زالت إلى اليوم تحرّك الكثير من المشاعر المتناقضة في داخلي: موطني.