الأربعاء، 8 سبتمبر 2010

God Bless America - 3

قيل: من راقب الناس مات همّاً ! فعلياً لا نجد أن أحداً يكترث لهذا المثل في أردن الوفاق، فنحن على استعداد للموت همّاً ألف مرّة لنعرف أخبار فلان، وشو لابسة اليوم فلانة، ومين طلع مع مين، ومن زار الجيران اليوم ... وإلى آخره من تفاصيل يومية لمن نعرفهم ومن لا نعرفهم ! فنحن نراقب، نُحلل، نبني قصص، نروّج للإشاعات ومن ثم نصدّقها ونتناقلها كأخبار حقيقية وواقعية ! غير آبهين للآثار السلبية التي قد نتسبب فيها ! نحن باختصار من عشّاق التلسكوب ولكن لأغراض أخرى غير علمية !
استخدامات التلسكوب للمراقبة الحثيثة .. فنحن نراقب تفاصيل الجيران لحظة بلحظة وأول بأول !
 مصدر الصور: http://thisishistorictimes.com/tag/telescope/
 في بلاد العم سام، الأمور تختلف؛ انتظرنا في محطة القطار لفترة من الوقت، جلسنا نراقب ونعلّق على لباس المارّة، إلى أن أدركنا أننا الوحيدون الذين نفعل ذلك ! الملفت أن لا أحد يهتم بشؤون غيره إلا نحن، فالكل (بحالو)، مشغول بأموره الشخصية، مُحافظاً بذلك على خصوصيته قبل الآخرين، وهذا بالفعل تراه أينما كان؛ في البرك، على الشاطيء وحتى عندما تتمشى في الشارع، وفي الحدائق العامة؛ قد تجد مثلاً أن البعض مُستلقي على العشب الأخضر يقرأ وبذات الوقت يتشمّس ! الملفت أيضاً أن لا أحد يُعلّق، فالأمور تجري كأن لا أحد يرى الآخر !
أشخاص تركب البسكليت، آخرون يستلقون تحت أشعة الشمس، ولا أحد يُعلّق ..
الإهتمام بنظرة الآخرين يضعنا تحت ضغط إجتماعي كبير، لذلك أغلب قراراتنا تكون بالعادة مرتبطة برضا الآخرين؛ فنحن مثلاً قد نختار تخصصات جامعية لا نرغبها لأن المجتمع فرضها علينا، ولذلك قد نشفل دراسياً (ليس لأننا فاشلون، بل لأن التخصص الذي اخترناه كان من أجل نظرة المجتمع: أليس الجميع يُريد أن يدرس الطب وطب الأسنان والصيدلة والهندسة؟) حتى لو نجحنا ستجدنا غير مستمتعين أو غير مبدعين بأعمالنا لأن قرارنا من الأساس ارتبط بنظرة المجتمع لهذا التخصص أو ذاك !
طالب جامعي مضغوط :) إنما لو درسنا التخصص الذي نرغبه، فقد تكون نظرتنا حتى للضغوطات الدراسية مختلفة !
قد نرتبط بشريك حياة غير مناسب نتيجة ضغط المجتمع إن كان على الشاب أو الفتاة، ويقضي الشريكان عمرهما يتعايشان مع هذا القرار الخاطيء لإرضاء المجتمع.
في بعض الحالات ونتيجة الضغط الإجتماعي، قد يكون الزواج غير متكافيء، فيقود للكثير من المشاكل بين الأزواج ! 
حتى اختيارنا لملابسنا قد يكون مرتبط بنظرة المجتمع للأمر ومتماشياً مع المثل القائل: إلبس على زوق الناس وكُلْ على زوقك ! تخيّلوا حتى بالأمثال فُرِضت علينا طريقة تفكير معيّنة ألا وهي مراعاة نظرة الناس لنا حتى ولو كانت على حساب راحتنا النفسية والشخصية ! أغلب ما نفعله أو نشتريه هو من أجل (البرستيج) والبرستيج مرتبط برضا الآخرين، وإرضاء الجميع غاية لا تُدرك، فمتى سنطبّق هذا المثل على حياتنا اليومية؟

فتاة تستغل وقتها في القراءة والتشمّس ! الأن تخيلوها مستلقية في منتزه غمدان :)  
تخيلوا في بلاد العم سام أن غالبية الفتيات والسيدات لا يضعن المكياج ! فهل وضع المكياج بالأردن مرتبط أيضاً بالنظرة الإجتماعية أو يُعتبر من خصوصيات الفتيات؟ أعتقد أنه مرتبط بالنظرة الإجتماعية للمرأة عموماً، لذلك نجد أن من لا تضع المكياج قد تتعرض لضغط غير مباشر أو مباشر من الصديقات والأمهات والأخوات والخالات والعمّات والجارات وبنات الجيران وصديقات الأمهات وصديقات صديقات أخواتها لوضعه !
ضغط المجتمع قد يوصلنا لهذه الحالة وأكثر :)
في بلاد العم سام، تجري الأمور بطريقة مختلفة، فالكل يحترم خصوصيات الآخرين، هذا الإختلاف قد يكون نابع من العادات والتقاليد، ولكن ماذا لو كانت بعض من عاداتنا وتقاليدنا تحتاج (لأفرهول) كامل؟ أن تُحترم خصوصيتنا أمر مريح للغاية؛ هو ما يجعلنا صادقين مع أنفسنا، ونكون كما نحن دون قيود، وهذا الأمر في غاية الأهمية: لأنه عندها فقط ستتحدد معالم شخصيتنا الحقيقية وأفكارنا وأحلامنا وطموحاتنا دون ضغوطات إجتماعية، ولأن خصوصيتنا منتهكة في كثير من الأشياء ترانا نضع أقنعة تُخفي حقيقتنا، لذلك عندما نسافر مثلاً للعمل أو للدراسة في الخارج، نختلف بشكل كلّي، وهذا الإختلاف لا يعني بالضرورة أن يكون سلبي، بل على العكس قد يكون إختلاف إيجابي نحو فهم ذواتنا وأنفسنا بعُمق أكبر !
The Mask ... فيلم يتحدّث عن رجل عندما يضع القناع السحري يتحوّل لشخص خارق ذو قدرات عجيبة !
من الممتع أن نكتشف قدراتنا الذاتية، وإبداعاتنا الدفينة، لم نتعوّد بالأردن لإطلاق العنان لمواهبنا، ذلك لأن أغلب حصص الفن والرياضة والموسيقى تتحوّل إلى حصص لمواد أخرى أهم (بنظر المجتمع) مثل الرياضيات والفيزياء ... إلخ، فالمجتمع حددنا بأنماط تفكير متشابه، فمثلاً من أراد دراسة الموسيقى يُقال له: ما بتطعمي خبز ! نحن نتعامل مع مواهبنا كجزء من المجتمع، وليس كجزء من شخصيتنا، لذلك وعلى الرغم من قدراتنا ومواهبنا إلا أنه من النادر أن نجد مبدعين أردنيين، ليس لقلّتهم بيننا، بل لأنهم تعوّدوا على كبت إبداعاتهم خوفاً من نظرة المجتمع لما هو غير مألوف وخارج عن النطاق التقليدي! لماذا يُبدع الأردنيون بالخارج؟ لأنهم يُطلقون العنان لإبداعاتهم دون قيد !
البيوت في بلاد العم سام لا تحتاج لأسوار عالية لإخفاء الداخل، لأن الجميع يحترم خصوصيات الآخر ولا يتدخل بشؤون الجيران، ولا يُراقبهم، فلا حاجة لأسوار للحفاظ على الخصوصيات !
التغيير يبدأ بأمور بسيطة: الإهتمام بشؤوننا الخاصة وترك الآخرين يهتمون بشؤونهم الخاصة أيضاً! لو قرر كل فرد بالمجتمع أن يُطبّق هذا الأمر، سيصبح أردننا مختلف بطريقة إيجابية؛ سنكون مبدعين في أعمالنا لأننا اخترناها بعيداً عن ضغط المجتمع، ستكون شوارعنا خالية من التعليقات (إللي ما إلها طعمة) والنظرات الغير مريحة لأن الكل يحترم خصوصيات الآخر، ستكون جامعاتنا أفضل لأن الأغلب يدرس ما يُريده هو، ستكون مدارسنا متميزة لأن الطلبة يُفجّرون إبداعاتهم ومواهبهم بعيداً عن ضغوطات المجتمع، والأهم أننا سنكون نحنُ على حقيقتنا دون أقنعة أو رتوش، وسنكون قادريين على التعبير بصدق عن مشاعرنا وأحلامنا وطموحاتنا دون الخوف من الإصطدام بالمجتمع الذي نحيا فيه!



أترككم مع المبدع الأردني طارق الناصر وفرقته رم، استمعوا لهذه الأغنية الرائعة مع كاسة شاي معتبرة، فالإبداع الأردني قادم، المطلوب فتح الباب له دون قيود أو كبت، فالإنسان الأردني يستحق الإحترام، فلنبدأ باحترام خصوصيات بعضنا بعضاً، ولننطلق إلى آفاق الإبداع ! 



دمتم بود 
  

ليست هناك تعليقات: